سيد محمد طنطاوي

167

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمنهي عنه هو الإشراك به ، لا أن المنهي عنه هو مطلق اتخاذ إلهين . . » « 1 » . « اثنين » صفة للفظ إلهين أو مؤكد له . وخص هذا العدد بالذكر ، لأنه الأقل ، فيعلم انتفاء اتخاذ ما فوقه بالطريق الأولى . وقوله - سبحانه - * ( إِنَّما هُوَ إِله واحِدٌ ) * بيان وتوكيد لما قبله ، وهو مقول لقوله - سبحانه - * ( وقالَ اللَّه ) * . أي : وقال اللَّه لا تتخذوا معي في العبادة إلها آخر ، وقال - أيضا - إنما المستحق للعبادة إله واحد ، والقصر في الجملة الكريمة من قصر الموصوف على الصفة ، أي : اللَّه وحده هو المختص بصفة الوحدانية . وقد نهى - سبحانه - عن الشرك في آيات كثيرة ، وأقام الأدلة على بطلانه ومن ذلك قوله - تعالى - . . . ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً « 2 » وقوله - سبحانه - لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّه لَفَسَدَتا ، فَسُبْحانَ اللَّه رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ « 3 » . والفاء في قوله « فإياي فارهبون » واقعة في جواب شرط مقدر و « إياي » مفعول به لفعل محذوف يقدر مؤخرا ، يدل عليه قوله « فارهبون » . والرهبة : الخوف المصحوب بالتحرز ، وفعله رهب بزنة طرب . والمعنى : إن رهبتم شيئا فإياي فارهبوا دون غيرى ، لأنى أنا الذي لا يعجزنى شيء . وفي الجملة الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب ، للمبالغة في التخويف ، إذ تخويف الحاضر أبلغ من تخويف الغائب ، لا سيما بعد أن وصف - سبحانه - ذاته بما وصف من صفات القهر والغلبة والكبرياء . وقدم المفعول وهو إياي لإفادة الحصر ، وحذف متعلق الرهبة ، للعموم . أي : ارهبونى في جميع ما تأتون وما تذرون . والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على ألوان من المؤكدات للنهي عن الشرك ، والأمر بإخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده ، تارة عن طريق التقرير « وقال اللَّه . . » وتارة عن طريق النهى الصريح ، وتارة عن طريق القصر وتارة عن طريق التخصيص . وذلك لكي يقلع الناس عن هذه الرذيلة النكراء ، ويؤمنوا باللَّه الواحد القهار .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 161 . ( 2 ) سورة الإسراء الآية 39 . ( 3 ) سورة الأنبياء الآية 22 .